البدايات.. هوايتي وهواي، وأكثر ما ينعش القلب ويعيد إليه بعضاً من العزم والقوة، أن تمحو كل ما كان: وتبدأ من جديد.
سطرٌ جديد: لم يأتِ قبله سطر: قد لا يأتي بعده سطر: واحد.
ولا يمكن لأحد أن يؤكد شيئاً غير هذا: لا يمكن لأحدٍ أن ينفي شيئاً أيضاً.
لا شيء معلوم على وجه التمام والثقة، سوى أن لا شيء معلوم على وجه التمام والثقة. فمن أنا لأصدر أحكاماً مطلقة؟ لا أحد. كم هو ساخر هذا؛ إننا لا نصير شيئاً، دون أن نفقد للحظة كلّ شيءٍ كُنّاه، واستغنينا عن كلّ شيء يمكن أن نكونه؛ أن نقف على حافة العالم، كمجنون يصيح، ليُخرج من داخله ألف صوت، ليخرج من داخله كلّ صوت.
ولكن من يخدع؟ لا شيء يخرج، وكلّ راحة مؤقتة، وكلّ مصدر للأمان؛ هو مصدر للخوف أيضاً.
ثمّ أفكّر: إذا ما حصلت على صفحتي البيضاء الجديدة: ماذا أكتب فيها؟ لطالما رغبت بكتابة أشياء مفيدة، تعدو عن كونها مذكرات يعني، وأفكر بما يهمني، الكثير من الأشياء، وأفكّر بمهارتي فيها، بالقدر الذي أعرفه، بالقدر الذي قد يكفيني، فأجد أنّه لا يكفي لشيء، ويظلّ يتردد صوت الشاعر: من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ أيّ إلهام سقاه الله إياه، ليكتب أكثر شطرٍ أهواه من بحور الشعر. من أنا لأقول أيّ شيء، لأكتب أيّ شيء، لأقرّ أو أنفي، لأعبّر عن رأيي، من يهمه رأيي، ثمّ حقاً، من أنا؟
ثمّ أفكّر مرة أخرى: هناك شيءٌ واحد أجتهد فيه ولا أعرف عن شيءٍ قدر ما أعرف عنه، وهو أنا. كيف يكون المرء ناكراً لذاته نرجسياً في ذات الوقت والسطر، لا علم لديّ. لكنّي أفكّر وأعرف أنّي لا أعرف الحديث عن شيءٍ سواي، مشاعري وأفكاري، وربّما بعض معتقداتي، لا أزيد عنها شيئاً ولا أنقص، وأغيّر رأيي في العمر مئة مرّة، وأراني مُحقةً في الحين الذي أرى أن لا حقّ معي، لكنّي أحُبّ فيما أُحبّ أن أكتب، وأشكّ بدافعي وأدّعي أنّه لا شيء، سوى الموهبة، ومادح نفسه كاذبٌ ولا شهادة لأحدٍ تُثبت صِدقي، أو كذبي، وكلاهما سيان، ولكن لا قوانين لهذا الفضاء الأسود، كُلٌ لهُ أن يدّعي ما يريد، فأفكّر مراتٍ كثيرة: في حين أخطّ بدايةً جديدة، هل أعيد ذات الأخطاء؟ أم أختار مجموعةَ أخطاءٍ جديدة؟ ولا أنظر بالطبع لاحتمال ألّا أخطئ، فليس بالاحتمال الوارد أبداً، ثمّ حين تملك أن تدّعي أيّ شيء، أن تكون أيّ أحد، كيف لكَ ألّا تكونَ أنت؟ صافياً صادقاً واضحاً كالماء: يصير محيطاً عاصفاً يقتلع جذور الحياة، أو قطراتِ ندى تداعب وريقاتٍ يانعة، وفي الحالتين يظلّ ماء، لا شيء آخر.
هناك أسئلةٌ لا أعرف لها أيّ جواب، وأكتب عسايَ أعرف: أهناك حقاً شيءٌ في داخلي وُلد لحظة ولادتي، ويكبر كلّما كبرت، لا يتغيّر، شيءٌ عظيمٌ يُحتِّمُ عليّ أن أحكيه، يحكمني ولا أحكمه، جوهره أكبر منّي، ولا دورَ لي في الحياةَ سوى أن أحمله على عاتقي وأتحيّن اللحظة التي يستحق فيها الخروج؟
أم أنني أُسقط حاجاتٍ قديمة غير مُلبّاةٍ، وأقضي عمري حاملةً إياها على أكتافي، وأعطي دائماً كلّ شيءٍ أتمنى لو أعطاني إياه أحد؟
ثمّ هل تعطي المشاركة قيمةً للأحداث والأفكار والأشياء؟ هل يصبح معناها أكبر؟ أو يثبت وجودها؟ أتحتاج الحياة شهوداً؟
انظروا هاهُنا: إنّي قد وُلدت. ثمّ انظروا هاهُنا: قد متّ. وغضّوا عن حماقاتي الطرف، واشهدوا أنّي كُنت.
فماذا لو لم يرنا أحد؟ ماذا لو لم يعرفنا أحد؟ لو لن يقرأنا أحد؟ هل صارت الأشياء التي لم نخبر أحداً عنها حقاً أم كانت محض خيال؟ هل تُفنى الفكرة والرغبة إذا ما خبّأناها جيّداً؟ فماذا لو عشنا ومُتنا في مكانٍ منقطع ولم يشهد علينا أحد، هل كنّا حقاً يوماً هُنا؟
أم كان كُلّ هذا سراب؟
ص.ح.ر
13 أيّار 2021
0 التعليقات:
إرسال تعليق